وداعاً رفيقتي الجميلة

كلما تذكرت رفيقتي الجميلة، وتذكرت حين رأيتها للوهلة الأولى، بجمالها الفتان، فما أن وقعت عليها عيناي، حتى خطفت قلبي، وأسرت لبي، وسلبتني عقلي، فهامت روحي في عشقها. كانت يومها تقف شامخة في تواضع وأدب ودون حراك على جانب الطريق، ونظراتها الخجلة من عيونها البراقة الفاتنة تفتك بالناظرين، فضلاً عن احتشامها، وبساطة ألوان ملابسها، واتزانها في مشيتها التي لا تكاد تشعر بها، وصوتها الخافت الجميل والذي يشبه صوت الهمس.

عن سيارتي الجميلة أتحدث، حين كانت تقف في عزة وأنفة في عرينها، أمام معرض السيارات على جانب الطريق، بلونها الكحلي الداكن الجذاب، والذي تعودت على اختياره عند شراء ملابسي، فشعرت حينها أننا نتشارك نفس الطراز العتيق.

كان ذلك بعد عدة سنوات من شراء أول سيارة مستعملة، والتي كانت بيضاء اللون، وكنت متفائلاً بها كثيراً للاعتقاد السائد بأن اللون الأبيض يمثل النور والنقاء والخير والسعادة، بينما يمثل اللون الأسود الظلام والشر والحزن والنكد.

ولكنها لم تكتسب قط شيئاً من صفات لونها الأبيض الجميل حتى يشفع لها عندي، فكانت بمثابة سيارة الحسرة والخسارة، فراتبي البسيط كان يذهب أغلبه هدراً على إصلاحها وصيانتها شهرياً، ولا أذكر أنها أسعفتني يوماً في مشوار عاجل، بل كانت دوماً سبباً في تأخري عن الوصول في الموعد لكثير من المواعيد الهامة، وكثيراً ما كانت تسبب لي الإحراج عندما تتعطل في إشارة المرور أو في مكان مزدحم بالسيارات، حتى زهدت فيها، وفي ثمنها.

في النهاية انشطر هيكلها من الأسفل في أحد المطبات الكبيرة، وانشطر معه قلبي ليس حزناً عليها، ولا أسفاً على فراقها، ولكن حزناً على نفسي وصبري على تحملها كل تلك المدة الطويلة، فحملتها غير مأسوف عليها وألقيتها في مكب النفايات المخصص للسيارات المتهالكة في أحد الورش الكبيرة التي تشتري هذا النوع من السيارات القديمة كقطع غيار مستعملة، بعد أن أنهيت كل الإجراءات القانونية المتعلقة بذلك.

وبالرغم من أن شاحنة النقل التي حملتها للورشة تقاضت ثمناً أكبر بكثير مما تحصلت عليه من ثمنها، إلا أنني شعرت بالسعادة الحقيقية حينما تخلصت من تلك السيارة المنحوسة، وشعرت بأنني تخلصت من شيء كان ينغص عليّ حياتي، ويضيع كثيراً من وقتي.

لم أتعجل هذه المرة في شراء سيارة أخرى مستعملة، كما فعلت بالمرة السابقة، وقررت التمهل حتى أستطيع شراء سيارة جديدة، وحينما استطعت توفير المبلغ المطلوب، ذهبت إلى معرض السيارات لشرائها.

هنا وقعت عينياي على تلك السيارة التي أصبحت فيما بعد رفيقتي الجميلة، كانت تصحبنا في كل مكان نرغب السفر إليه دونما ضجر أو ملل، متزنة في حركتها، ثابتة على الطريق، محتشمة اللون، جميلة العيون (أقصد الأنوار)، صوتها همس، وقيادتها باللمس، ولا أذكر أنها أخفقت معي في مشوار أو أرهقتني في صيانتها.

أصبحت سيارتي يدي اليمنى التي أرتكز عليها عند كل ملمة، ورفيقة الدرب في كل حدث، وأصبحت بين عشية وضحاها، صديقة العائلة الحميمة، فابني الكبير يراعيها ويغسلها، وابنتي الوسطى تعتني بكراسيها وتنظفها وتعطرها باستمرار، وابني الصغير ارتبط بأفلام الكرتون التي يشاهدها على التلفاز الصغير المتصل بها ربما أكثر من ارتباطه بالجوال الذي يغفو كل يوم وهو يحتضنه بين يديه، وحتى زوجتي كانت تفضل التنزه بالسيارة وخصوصاً ساعة المطر، عن التنزه في الحدائق والمولات الكبيرة.

أما أنا فقد كنت أعتني بها كابن من أبنائي، وكنت أفضل الانتظار في السيارة عن الانتظار في أي مكان آخر، فأقوم بتشغيل المكيف البارد، وابدأ في الاسترخاء، وكنت أحرص على أن تقف في مكان نظيف، ودوماً ما ألقى عليها التحية في الصباح، وأودعها، وأستودعها عندما أغادرها للمرة الأخيرة كل يوم.

مرت عشر سنوات، ورفيقتي الجميلة، أقصد (سيارتي الجميلة)، لا تفارقنا ولا نفارقها في أي مكان نذهب إليه، ثم حانت اللحظة التي كنت أنتظرها منذ زمن بعيد، إنها لحظة الفراق.

قررت أن أعود إلى وطني الحبيب بعد سنوات من الغربة، وكان لابد من بيع السيارة، لأنني لم أتمكن من الاحتفاظ بها، وكنت في حاجة ماسة لثمنها، وقررت عرض السيارة للبيع على أحد مواقع التواصل الاجتماعي.

في تلك الليلة اجتمعنا سوياً، لنستمتع بالرحلة الأخيرة في سيارتنا الحبيبة، تحت جناح الليل، وبين تساقط زخات المطر، وأصوات الرعد، وأضواء الأعمدة الخافتة التي تشبه أضواء الشموع الحزينة، وكأن الكون بأسره يشاركنا ألم الفراق، ثم التقطنا تلك الصورة الحزينة والتي لا تزال محفوظة في أغراضي الشخصية، ومحفورة في ذاكرتي إلى اليوم.

ذهبت لمغسلة السيارات، لغسل السيارة، لأنها سوف تستأنف من الغد رحلة جديدة مع مالكها الجديد، وحين استلمتها من المغسلة كانت أشبه بعروس يوم زفافها، وفي الصباح الباكر أتى المشتري لاستلام السيارة التي كان مبهوراً بشرائها لأن ثمنها كان مناسباً، وحالتها كانت أكثر من رائعة، ومنظرها كان أشبه بالسيارة الجديدة.

وحين وضعت مفاتيح السيارة بين يديه، ورمقتها بالنظرة الأخيرة، هنا دمعت عيناي، وقلت له بصوت مختنق: بارك الله لك فيها. يعلم الله أن هذه السيارة كانت بمثابة ابن من أبنائي، فأحسن إليها، فوالله ما ذهبت بتلك السيارة إلى مكان يبغضه الله، ولم تذهب بي إلا إلى مكان يحبه الله، وكم سافرت بها إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوقفتها قريباً من مسجده الشريف -صلى الله عليه وسلم-، وكنت أراها وكأنها تنظر إليه وتتأمله في شوق ولهفة.

تأثر الرجل بتلك الكلمات، وقال: السيارة في عيوني. وغلبتني دموعي، فاستأذنت في عجل وانصرفت حتى لا يتهمني الرجل بالجنون والخبل.

سافرت إلى مصر، ومضى وقت طويل على تلك القصة، وعلى الرغم من ذلك، لا زلت أتذكر تلك السيارة، وكلما مررت على سيارة تشبهها تحركت مشاعري، وانتفض قلبي من مكامنه، وكأن تلك السيارة كانت فرداً فقدناه من العائلة.

 

بقلم الكاتب / هاني نبيل عبد الحميد

 

Comments

You must be logged in to post a comment.

About Author

مؤلف وشاعر وكاتب محتوى هادف ومبرمج ومصمم مواقع إلكترونية

Recent Articles
Sep 28, 2022, 4:52 PM - Recette IKRAM OM
Sep 28, 2022, 3:15 AM - Hesham aboelmakarm
Sep 26, 2022, 1:09 PM - Belhoucine Hamid