حكاية الباحثة البريئة ... قصة قصيرة

 

 

          تخرجت من كلية العلوم، قسم الكيمياء، بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف، وتم توظيفي معيدة بالجامعة، وقررت أن أبدأ حياتي العملية بعد تخرجي مباشرة، بالإضافة لاستكمال دراستي الجامعية للحصول على درجة الماجيستير والدكتوراه، فجهزت مختبراً صغيراً في منزلنا، وكنت أعمل فيه طوال الليل على أبحاثي العلمية.

          بعد فترة قصيرة، تعاقدت مع إحدى المؤسسات التجارية الكبرى والمتخصصة في مجال بيع منتجات الألبان، لإضافة بعض النكهات على أحد منتجاتها الشهيرة بهدف تحسين الطعم والجودة، فاعتكفت في معملي لعدة أيام، أجري بعض التجارب على هذا المنتج، وبعد عدة تجارب فاشلة، بدأت بعض التجارب تحقق نسبة نجاح لا بأس بها، وتوصلت إلى عدة نتائج لكنها كانت غير مؤكدة، فأعددت بعض العينات لتجربتها عملياً، وجمعت تلك العينات في حقيبة مخصصة لذلك، وجمعت التقارير والنتائج التي توصلت إليها في ملف ورقي كبير.

          أغلقت المعمل في تلك الليلة في ساعة متأخرة من الليل، وذهب إلى غرفتي وقد أنهكني الإعياء والتعب، ووضعت الحقيبة فوق الطاولة، وأخرجت منها التقرير النهائي، أراجعه وأنقحه على مهل، وأنا على سرير النوم، فغلبتني عيناي، وهجم عليّ النعاس، فنمت في سبات عميق.

          استيقظت من نومي، لأجد أوراق التقرير كلها مبعثرة من حولي في الغرفة، فالتقطتها بسرعة، ووضعتها في حقيبة العينات، وأسرعت لمقابلة مسؤولي الشركة، وعرضت عليهم التقارير، وما توصلت إليه من نتائج، وأبلغتهم أنني بحاجة لتجربة بعض العينات على المنتجات، في معامل الشركة، فوافقت إدارة الشركة، وطلبت من إحدى الزميلات المشرفات على معامل الشركة، مرافقتي وتقديم المساعدة اللازمة لي، وتذليل كل العقبات لإنهاء تلك التجارب العلمية في أسرع وقت ممكن؛ لتتمكن الشركة من طرح المنتج الجديد في الأسواق مع بداية الموسم الجديد.

          كان اسم المشرفة التي رافقتني لمعامل الشركة هو فتون، وكانت هي المسؤولة عن إجراء تلك التجارب والأبحاث قبل تعاقدي مع الشركة، ونتيجة لكثرة الأخطاء العلمية، والتجارب العملية الفاشلة، والخسائر المادية الفادحة التي تكبدتها الشركة بسبب هذه التجارب؛ قررت إدارة الشركة، إقالتها من منصبها كرئيسة لقسم البحوث بالشركة، وانتدبوني لهذا العمل.

          منذ الوهلة الأولى، كان تعامل فتون معي يتسم بالجفاء والغيرة وعدم التعاون، بل كانت حجر عثرة في إنجاز العمل، وكانت تتعمد إفشال التجارب، والتقليل من قيمة النتائج التي نحصل عليها، مما دفعني لتقديم طلب لإدارة الشركة، لاستبدالها بمساعدة غيرها. وبالفعل استجابت إدارة الشركة لطلبي، وتم استبدالها بمساعدة أخرى، اسمها هاجر، كانت بالفعل نعم الصديقة والمساعدة المخلصة.

          بعد أسبوع من التجارب المكثفة، والأبحاث العلمية الدقيقة، والفحوصات المخبرية، أثبتت التجارب العملية نجاح خمس عينات، وفشل ثلاث عينات أخرى بلا ضرر على حياة المستهلك، وتأكدنا من عدم وجود خطر على حياة المستهلكين إذا ما تم استخدام سبع عينات أخرى، وبقي لدينا أربع عينات تحت التجربة، وكنت في نهاية كل يوم أضع العينات الناجحة في حقيبة مخصصة وأدون عليها نتائجها الإيجابية، والعينات الأخرى في حقائب مختلفة وأدون عليها نتائجها أيضاً، بحسب هذا التصنيف.

          مع اقتراب الموسم الجديد، أبلغني مدير الشركة أنه يعتزم القيام بتوزيع بعض العينات المجانية، وأن هذه فرصة لتجربة العينات الناجحة، فوافقته الرأي، وأبلغته بأنني سوف أقوم بتسليم العينات الناجحة، والتركيبات الخاصة بها لمساعدتي هاجر لتسليمها إلى قسم التصنيع ليباشر العمل عليها، وبالفعل قمت بتسليم العينات لهاجر، وذهبت إلى المنزل، والسعادة والفرح يغمرانني، بسبب هذا النجاح العظيم.

          بدأ قسم التصنيع في إنتاج العينات، وبدأ العمال في التعبئة والتغليف والتوزيع، وبدأت أترقب النتائج، في خوف ووجل، وكان لحملات الترويج، والإعلانات التجارية بالتليفزيون وعبر مواقع التواصل الاجتماعي دورها الفعال في الترويج للمنتجات الجديدة، وتضمنت تلك الحملات مقاطع فيديو لردود أفعال المستهلكين، بعد طرح عدة أسئلة عليهم للتعبير عن شعورهم بعد تجربة النكهات الجديدة، وكانت النتائج مبهرة، فقد صرح الجميع بسعادتهم وإعجابهم بالنكهات الجديدة للمنتجات.

          حدث إقبال رهيب على منتجات الشركة، وتزايد الطلب على المنتجات بشكل منقطع النظير، وارتفعت أسهم الشركة في البورصة ثلاثة أضعاف قيمتها السابقة، مما دفع رئيس الشركة لتعييني رئيسة لقسم الأبحاث العلمية بالشركة، وزيادة راتبي، ومنحي مكافأة مالية ضخمة، والتصريح باسمي علانية في كل وسائل الإعلام، كصاحبة الفضل على هذا التطور الكبير، وأصبحت في غمضة عين، وبين ليلة وضحاها، أصغر وأشهر باحثة علمية في البلاد، وشعرت بأنني وصلت إلى ذروة الغنى والمجد والشهرة.

          عشت هذا الشعور الجميل لأيام قليلة فقط، قبل أن تحل الكارثة، فما هي إلا أيام قلائل وبدأت الأنباء تتواتر عن حدوث وفيات لمن يتناولون المنتجات الجديدة للشركة، وبدأت وسائل الإعلام تتناقل الأخبار، وشرعت النيابة العامة في التحقيقات والتي أثبتت بالفعل أن منتجات الشركة هي السبب في تلك الوفيات، فأحجم الناس عن تلك المنتجات، وهاجموا الشركة وحطموها، وصدرت الأوامر بإغلاق الشركة، وألقي القبض على مجلس إدارتها، ثم ألقي القبض عليّ لاحقاً.

          تبين من التحقيقات أن العينات الجديدة التي ابتكرتها هي السبب في تلك الوفيات، فقدمت التقارير والعينات التي بحوزتي لاختبارها، فثبت أنها غير ضارة، لكنها مخالفة للعينات التي تم تسليمها لقسم التصنيع، وأقرت هاجر بأنني من قمت بتسليمها تلك العينات، ولم أنكر ذلك، ولكنني لم أستطع أن أثبت أن تلك العينات تم استبدالها، ومن الذي قام باستبدالها؟ ولم فعل ذلك؟ ومتى فعل ذلك؟

          تسارعت الأحداث، وثار الرأي العام لأجل القصاص منا، ولم يعد لوسائل الأعلام حديث إلا عن الباحثة القاتلة التي باعت ضميرها المهني لأجل حفنة من المال والشهرة، ووجدت نفسي مكبلة أمام القاضي يسرد على مسامعي تلك الاتهامات، ويسوق الأدلة، ويسمع الشهود، ثم فجأة سمعته يقول: حكمت المحكمة بالإعدام على تلك المتهمة الحقيرة علانية وأمام الناس وفي ميدان عام، حتى تكون عبرة لغيرها من المجرمين.

          سقطت من الخوف والهلع، ولم تتحملني قدماي، وعجزت عن الكلام والحركة، ثم أخذت أصرخ وأصرخ، ولكن بصوت غير مسموع، أنا بريئة، أنا بريئة، أنا بريئة، والكل يصرخ بصوت عال يزلزل قاعة المحاكمة: يحيا العدل!! يحيا العدل!! يحيا العدل!!

          غبت عن الوعي قليلاً، هكذا اعتقدت، لكن يبدو أن هذا غير صحيح، فأنا الآن على منصة الإعدام، والجماهير الغفيرة تصرخ من كل مكان، أعدموا القاتلة، وهي تقف من بعيد باسمة، سعيدة، "نعم، هي، نعم، هي". هكذا حدثتني نفسي أن فتون هي القاتلة، فهي الوحيدة المستفيدة مما يحدث، هي التي قامت باستبدال العينات، أخذت أصرخ: فتون هي القاتلة، فتون هي القاتلة، هي من قامت باستبدال العينات، ولكن مع الأسف الشديد لم يستمع إليّ أحد، فالأصوات عالية، والصراخ يملاً المكان، صرخت، أنا بريئة، أنا مظلومة، ولكن دون جدوى.

          تقدم الشيخ نحوي يلقنني الشهادة، وقال: يا ابنتي قولي: لا إله إلا الله. وأنا أردد في ذهول: أنا بريئة، أنا مظلومة، فيردد كلامه، وأنا أردد كلامي دون جدوى، وكأن كل منا لا يسمع الآخر، فأشار إليهم بعد أن شعر بعدم جدوى المحاولة، فوضعوا غمامة على عيني، ثم حملوني إلى منصة الإعدام، وقيدوني، وأنا أصرخ، وأحاول التملص، وفجأة جذب أحدهم ذراع المقصلة، لتهبط المقصلة بسرعة البرق فوق رقبتي، وتفصلها عن جسدي.

          أظلم العالم، وأطبق صمت رهيب، ولكنني لا زلت أتنفس، فتساءلت: هل عبرت للعالم الآخر بكل هذه السهولة؟ هل اختفى ألم الموت لأنني بريئة؟ تحسست رأسي فإذا هي في مكانها، أحاول أن أفتح عيناي بصعوبة، لأتحقق أين أنا؟ ولكن الخوف يملأ قلبي، حاولت مرة أخرى، وهنا كانت المفاجأة، أنا لا زلت في سريري نائمة، والأوراق على صدري. لقد كان بحق أسوأ حلم رأيته في حياتي.

 

بقلم الكاتب / هاني نبيل عبد الحميد

Comments

You must be logged in to post a comment.

About Author

مؤلف وشاعر وكاتب محتوى هادف ومبرمج ومصمم مواقع إلكترونية

Recent Articles
Sep 28, 2022, 4:52 PM - Recette IKRAM OM
Sep 28, 2022, 3:15 AM - Hesham aboelmakarm
Sep 26, 2022, 1:09 PM - Belhoucine Hamid