من أعظم المهلكات اقتراف الموبقات في زمن الابتلاءات

        هزتني بشدة تلك العبارة حين سمعتها للمرة الأولى في حياتي: (الهلكة كل الهلكة أن تعمل السيئات في زمان البلاء)، والتي تشعر وكأنها تخطف القلب عند سماعها، وتعتصر الروح عند تدبر معانيها. وحين بحثت عن مصدرها، وجدتها من درر أقوال الصحابي الجليل النعمان بن بشير رضي الله عنه، وقد أوردها ابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات.

        دفعتني تلك العبارة للتفكر في الحكمة من وراء تغليظ العقوبات على المرء في زمان الابتلاء، فوجدت أن الحكمة الأساسية من الابتلاء هي تذكير العبد بربه لكي يرجع إليه، ويتوب ويستغفر ويندم على ما بدر منه من الذنوب والمعاصي، فيعود العقل الحائر إلى رشده، ويلين القلب القاسي إلى فطرته، ويقبل العبد المذنب على ربه، فيصيب من رحمته ما قدر له، ويحوز من بركاته ما قسم له، وينال من الخير بقدر ما رجع عنه، فإذا كان ذلك كذلك، فلابد من أن يحرم من هذا الخير العظيم كل من استحكمت الغفلة على عقله وقلبه وجوارحه حتى في تلك اللحظات التي تستوجب التوبة والإنابة إلى الله.

        أذكركم ونفسي بتلك الكلمات لأننا بالفعل في زمان الابتلاء؛ حروب أهلية طاحنة في أغلب البلدان الإسلامية، وسفك للدماء صراعاً على الهوية، وتشرذم وتقوقع وتفريق للناس على المذهب والفرقة والطائفة، واستحلال للدماء المعصومة على حرمتها المغلظة وكأنهم يذبحونها تقرباً إلى الله، وأمراض شتى ضربت الأرض من مشارقها إلى مغاربها، سرطان وإيدز وكرونا، وارتفاع جنوني للأسعار، وكوارث طبيعية تحيط بنا من كل جانب، وما خفي وما هو قادم في ركاب الأيام ربما كان أعظم، ومع هذا ترى الناس سكارى وفي غفلة عن إدراك تلك الحقيقة التي يجب ألا تخفى على أحد من الناس.

        قف مع نفسك وحاسبها قبل القيام بأي عمل، وأسألها هل هذا العمل يرضي الله أم لا؟ فإن كان الجواب: نعم، فاستمر، وإلا فانتهِ، فإن من أعظم المهلكات اقتراف الموبقات في زمان الابتلاءات. وقبل أن تفكر في حماية بيتك من اللصوص وتطهره من الحشرات أو الفيروسات، طهر روحك وعقلك وقلبك وجوارحك أولاً من المعاصي والذنوب التي عششت وترعرعت في بيوتنا ونفوسنا، فإننا في أمس الحاجة لطهارة القلب والروح، بقدر ما نحتاج لطهارة الجسد والثوب والأثاث والطرقات والجدران وربما أكثر من ذلك.

        لن تنقشع سحب الابتلاءات إلا بالرجوع إلى الله والتوبة والاستغفار والحرص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ على أيادي المفسدين والعصاة.

        اعلم بأن العمر طريق ممدود بين العبد وبين ربه، وكل يوم يمر على الإنسان فإنه يقربه من الله أكثر فأكثر، فاجعل هذا الطريق مملوءً بالود والمحبة والطاعات حتى يسر قلبك وتسعد روحك عند اللقاء غداً، وإن غداً لناظره قريب.

        اعلم أن من أعظم ما يدفع به البلاء رد المظالم إلى أهلها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ على أيادي الظالمين، وصلاة الليل والدعاء والتضرع إلى الله عز وجل، والذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والصدقة والنوافل، والتوكل على الله عز وجل، والإيمان بالقضاء والقدر، والتحلي بالصبر ومكارم الأخلاق، والإحسان إلى الناس وصلة الرحم.

        أشغلوا أوقاتكم في زمان البلاء بطاعة الله عز وجل، فإن القلب الذي لا ينشغل بالطاعة ينشغل بالمعصية، وكفروا عن تلك الساعات الطويلة المظلمة التي قضيتموها في فعل وسماع ومشاهدة المحرمات، بساعات أخرى مضيئة بمطالعة ومشاهدة ونشر وفعل ما ينفعكم في الدنيا والآخرة، فإن الحسنات يذهبن السيئات.

        إن التكافل الاجتماعي، وتوحيد الصفوف، وجمع الكلمة، ولم الشمل، والإنصات للعلماء والصالحين والمصلحين في زمن البلاء يصنع المعجزات، وأما التحزب والتفرق والتشرذم والأنانية والرغبة في النجاة بالنفس فقط فهي سبب الخذلان والانتكاس وتفاقم الابتلاءات.

        إن بث الطمأنينة في النفوس، والتفاؤل، والبشارات، والأخبار السارة، منهج نبوي كريم للحفاظ على استقرار المجتمع، وأما ترويج الشائعات، ونقل الأخبار الكاذبة دون تثبت، وبث الخوف والذعر بين الناس فهذا منهج شيطاني خبيث.

        إن القادم من الابتلاءات محجوب بحجب الغيب، ومستور بستر الله له، فلا يعلمه إلا الله، لكن استبعاد الأحداث، واستكبار الناس، وجهالتهم في التعامل مع الابتلاءات، فضلاً عن السخرية والاستهتار والعناد، يخبرك بأن القادم سيكون أعظم وأعنف وأشد، فكل بلاء عاصرناه أعقبه بلاء أكبر منه، وأنا أعتقد بأن البلاء القادم سوف يكون مثل الطوفان الجامح الذي سيدمر كل ما يقف في وجهه، وأعتقد بأن سفينة النجاة الوحيدة، ومركب الفلاح الوحيد سوف يكون في العودة إلى الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبفعل الطاعات والإقلاع عن المحرمات.

        إن الباحث عن النجاة، والمتعلق بالأسباب المادية فقط دون ما ذكرت، كالمتعلق بذيل السراب، وواهم كما توهم ابن نوح عليه السلام بأن تعلقه بالجبل سوف يعصمه من الماء، فكان من المغرقين. أما بذل الأسباب المادية لدفع البلاء بالعلم والطب وغيره فجائز، بل ربما يكون واجباً في بعض الأحيان، ولا يزعم مبتدع أن هذا الفعل ينافي التوكل على الله والاستسلام لأقدار الله عز وجل، فالبلاء من القدر، ودفعه بأسباب الخلاص والوقاية أيضاً من القدر.

        واعلموا بأن الجهل مصيبة، والخوف مصيبة أخرى، واجتماعهما معاً داء عضال، وطامة كبرى، ومرض مركب، وقد ينتج عنهما بدع كثيرة لا أصل لها في الدين، وبعض هذه البدع ربما يصحبه حسن النية، فيجعلان المرء يتقرب إلى الله ببدع لا أصل لها في الشرع للخوف وقلة العلم بأحكام الشريعة، فإياكم ثم إياكم والبدع في زمن البلاء.

        الدعاء مثلاً بأي وسيلة وأي لغة لا حرج فيه أبداً، وهو من أصول العبادات المشروعة، في أي زمان وأي مكان وعلى أية حال، وهناك أدعية مخصصة حددها النبي صلى الله عليه وسلم عند النوازل والأمراض، ولكن لا يأتي مبتدع فيخترع دعاء معيناً، ويحدد له ساعة معينة، وطريقة معينة، وعدد مرات تكرار معينة، ويطلب من الناس تكراره بهذه الصيغة، وهذا العدد، وفي نفس الوقت بنية رفع البلاء، فهذا من الجهل والبدع والمنكرات.

        إن نشر العلم الصحيح، والمنهج القويم، من الواجبات الشرعية في كل زمان ومكان، بل إنه من أعظم القربات إلى الله عز وجل، ولكن البعض يروج لأحاديث ضعيفة لم تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأقوال واهية، وفتاوى باطلة، فيجب على المرء أن يتحقق من صحة ما يسمع أو يقرأ، وخصوصاً ما ينشر عبر شبكة الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وألا يقوم بمشاركتها إلا إذا تحقق من صحتها، فإن معظم ما يتم تداوله عبر هذه الوسائل أباطيل وبدع وخرافات وأساطير ودسائس للطعن في هذا الدين العظيم.

        وطّن نفسك وعودها على الصبر في الرخاء حتى تعان عليه في زمن البلاء، واعلم أنه في طيات كل محنة منحة إلهية، فالناس في زمان الابتلاءات ترجع إلى الله، وتجتمع كلمتهم، وتتوحد صفوفهم، ويجتمع شملهم، وترق قلوبهم، وتصفو نفوسهم، ويكون سهلاً عليهم الصفح والتسامح ورد الحقوق إلى أصحابها.

اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم نجنا برحمتك وصبرنا وثبتنا إذا قدرت علينا البلاء.

 

كتبه / هاني نبيل عبد الحميد

يوم الجمعة، الموافق: 29-7-2022 م

Comments
Khalid - Aug 2, 2022, 12:16 AM - Add Reply

شكرا

You must be logged in to post a comment.
‪Hany Metwalli‬‏ - Aug 8, 2022, 1:02 AM - Add Reply

جزاك الله خيرا

You must be logged in to post a comment.
Younes - Sep 16, 2022, 1:55 PM - Add Reply

اتفدت كثيرا شكرا

You must be logged in to post a comment.

You must be logged in to post a comment.

About Author

مؤلف وشاعر وكاتب محتوى هادف ومبرمج ومصمم مواقع إلكترونية

Recent Articles
Sep 28, 2022, 4:52 PM - Recette IKRAM OM
Sep 28, 2022, 3:15 AM - Hesham aboelmakarm
Sep 26, 2022, 1:09 PM - Belhoucine Hamid