تسلية ربانية للمصابين بفاجعة موت الأبناء

        الأبناء هم زينة الحياة الدنيا، والذخيرة الحية بعد موت الآباء والأمهات، والصلة الباقية بين الأصل المنقطع بالموت وبين الفرع الباقي على قيد الحياة. وهم من جملة نعم الله عز وجل التي أنعم بها على الآباء والأمهات. ولن يشعر بتلك النعمة العظيمة إلا من حُرم منها. تأملوا إن شئتم وجوه من حرم الأبناء وهو يراقب أباً يرافق ابنه، أو أماً تلاعب ابنتها الصغيرة. تحسسوا عيون من فقدوا أبنائهم وهم يوارونهم تحت التراب بأيديهم، سوف تعلمون عندها أنهم دفنوا قلوبهم وأكبادهم معهم.

        الأبناء منحة ربانية خالصة، لا يقدر على منحها للعبد إلا الله سبحانه وتعالى، قال جل جلاله: }لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ*أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ{، سورة الشورى (49-50). لذا فإن الحفاظ على الأبناء ورعايتهم ميثاق رباني، وسنة نبوية، وفطرة بشرية لا يملكها إلا أصحاب النفوس السوية، والأرواح الزكية، والعقول الذكية.

        إن فقد الأبناء مصيبة كبيرة، وما أعظمها من مصيبة! وطامة كبرى، ومحنة عظمى ما بعدها محنة، ولا يقدر على الثبات فيها والصبر عليها إلا من جاهد نفسه على ذلك، وقدم من العمل الصالح ما ينفعه ويكون له ذخراً في ذلك الموقف العصيب، فيعصمه الله تعالى من الزلل ويثبته على الصراط المستقيم.

        وهنا أتذكر حين فقد أحد الدعاة المشهورين ابنه، فرأيته يقف هائماً مذهولاً متألماً باكياً، تذرف عيناه الدموع كالنيران المحرقة، ويقطر قلبه حزناً وألماً، وهو على جانب القبر يودع فلذة كبده، ويهيل عليه التراب بيديه، وسمعته يقول: كنت قبل عشرين يوماً أتجول مع ابني في شوارع المنصورة بالدراجات. نضحك ونلعب معاً، ونخطط سوياً لمستقبله، ولم أكن أتوقع أبداً أنني بعد عشرين يوماً فقط، سوف أقف على قبره، وأهيل عليه التراب بيدي هاتين.

        إن أعظم ما يتسلى به الإنسان في أي مصيبة أو محنة أو ابتلاء، تذكر أعظم مصيبة حلت بالبشرية جمعاء، وهي مصيبة فقد النبي صلى الله عليه وسلم، فليس على ظهر البسيطة فاجعة ولا مصيبة أعظم من فقده صلى الله عليه وسلم، وانقطاع الوحي، وانقطاع الخبر المباشر من السماء إلى الأرض، وخسارة النبي والمعلم والقائد والقدوة.

        إن الحبيب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، هو قدوتنا وأسوتنا، وقد فقد كل أبنائه في حياته الشريفة إلا فاطمة رضي الله عنها، فإنها توفيت بعده صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشهر. صبر النبي على موت أبنائه ورضي واستسلم لقضاء ربه، ولم يتفوه بكلمة سخط أو جزع. وفي هذا أخرج الإمام البخاري في صحيحه، والإمام أحمد في مسنده، عن أنس رضي الله عنه أنه قال: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ، وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِبْرَاهِيمَ، فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: يَا ابْنَ عَوْفٍ، إِنَّهَا رَحْمَةٌ، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ.

        يجب على المسلم أن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم، فيصبر عند المصائب ويرضى ويسلم. والصبر إنما يكون عند الصدمة الأولى كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّما الصَّبرُ عندَ الصَّدمةِ الأُولَى أو: عندَ أوَّلِ صدمةٍ)، ويجب على المسلم أن يستحضر ما يعينه على الثبات عند الابتلاء كالاسترجاع، وتذكر عظم أجر الصابرين وثواب الراضين بقضاء الله تعالى، والاستئناس بقصص وأفعال الأنبياء والصالحين عند المصائب.

        ودائماً ما يكمن في طيات كل بلاء منح ربانية، وفي فقد الأبناء منح لا تعد ولا تحصى، وحسبك منها قوله تعالى: }وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ{، سورة البقرة (155-157). فالصلاة من الله تعالى، والغفران، والثناء الحسن، والرحمة هم كشف للكربة وقضاء للحاجة.

        وجاء في الحديث القدسي الذي رواه الإمام البخاري أن الله تعالى يقول: (ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة). وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد). رواه الإمام الترمذي، والإمام أحمد، وحسنه الشيخ الألباني.

        وعن أبي حسان رضي الله عنه قال: قلت لأبي هريرة: إنه قد مات لي ابنان، فما أنت محدثي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث يطيب أنفسنا عن موتانا؟ فقال: نعم، "صغارهم دعاميص الجنة، يتلقى أحدهم أباه، فيأخذ بثوبه فلا ينتهي حتى يدخله الله وأباه الجنة". رواه ابن ماجه وحسنه الألباني في الترغيب.

        قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته إياهم، قالوا: يا رسول الله أو اثنان قال: أو اثنان، قالوا: أو واحد، ثم قال: والذي نفسي بيده إن السقط ليجر أمه بسرره إلى الجنة إذا احتسبته). رواه الإمام أحمد في المسند، وصححه الألباني لغيره في الترغيب.

        وعن أبي سلمى رضي الله عنه راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (بخ بخ، وأشار بيده لخمس ما أثقلهن في الميزان، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، والولد الصالح يتوفى للمرء المسلم فيحتسبه). رواه الإمام أحمد في المسند، والطبراني، وصححه الألباني في الترغيب.

        وروى الإمام البخاري والإمام مسلم في صحيحيهما أن أم سليم -رضي لله عنها- لما مات ابنها قالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه. فلما جاء قربت إليه عشاء فأكل وشرب، ثم تصنَّعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك فوقع بها، فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا. قالت: فاحتسب ابنك. فغضب وقال: تركتني حتى تلطخت ثم أخبرتني بابني. فانطلق حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بارك الله لكما في غابر ليلتكما). فحملت فولدت غلاماً. فقال رجل من الأنصار: فرأيت لهما تسعة أولاد كلهم قد قرأ القرآن.

        وفي حديث آخر يروي الإمام النسائي، وابن حبان، والحاكم، وابن حجرعن قرة بن إياس قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس يجلس إليه نفر من أصحابه وفيهم رجل له ابن صغير يأتيه من خلف ظهره فيقعده بين يديه، فهلك، فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة لذكر ابنه وحزنه عليه، ففقده النبي صلى الله عليه وسلم وقال: مالي لا أرى فلاناً؟ قالوا: يا رسول الله بنيه الذي رأيته هلك. فلقيه النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن بنيه فأخبره أنه هلك، فعزاه عليه ثم قال: (يا فلان أيما كان أحب إليك: أن تمتع به عمرك أو لا تأتي غداً إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتحه لك؟). قال: يا نبي الله، بل يسبقني إلى باب الجنة فيفتحها لي لهو أحب إلي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فذاك لك).

        وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِصَبِيٍّ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ لَهُ، فَقَدْ دَفَنْتُ ثَلاَثَةً، فَقَالَ: (لَقَدِ احْتَظَرْتِ بِحِظَارٍ شَدِيدٍ مِنَ النَّارِ)، وفي رواية: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِوَلَدٍ لَهَا مَرِيضٍ يَدْعُو لَهُ بِالشِّفَاءِ وَالْعَافِيَةِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ مَاتَ لِي ثَلاَثَةٌ، قَالَ: فِي الإِسْلاَمِ؟ فقَالَتْ: فِي الإِسْلاَمِ، فَقَالَ: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقَدِّمُ ثَلاَثَةً فِي الإِسْلاَمِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ يَحْتَسِبُهُمْ، إِلاَّ احْتَظَرَ بِحَظِيرٍ مِنَ النَّارِ). أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والإمام البُخاري في الأدب المفرد، والإمام مسلم في صحيحه.

        ومما يتسلى به المؤمن ما طلبه ذو القرنين من أمه حين اقتربت منيته، وكان في بلاد بعيدة عنها، فأرسل إليها رسالةً يَذكرُها ابن كثير في كتابه البداية والنهاية بقوله: إن كعب الأحبار قال لمعاوية رضي الله عنه: إن ذا القرنين لما حضرته الوفاة أوصى أمه إذا هو مات أن تصنع طعاما، وتجمع نساء أهل المدينة وتضعه بين أيديهن، وتأذن لهن فيه إلا من كانت ثكلى، فلا تأكل منه شيئا، فلما فعلت ذلك لم تضع واحدة منهن يدها فيه، فقالت لهن: سبحان الله! كلكن ثكلى! فقلن: أي والله ما منا إلا من أثكلت. فكان ذلك تسلية لأمه.

        وأوردها كذلك ابن الجوزي في تسلية أهل المصائب، عن عبد الله بن زياد قال: حدثني بعض من قرأ في الكتب أن ذا القرنين لما رجع من مشارق الأرض ومغاربها وبلغ أرض بابل مرض مرضاً شديداً، فعلم أنه مرض الموت وأشفق على نفسه فكتب لأمه معزياً في ذكاء قائلاً: يا أماه، إذا جاءك كتابي فاصنعي طعاماً واجمعي من قدرت من الناس ولا يأكل طعامك من أصيب بمصيبة. إني لأرجو أن يكون الذي أذهب إليه خيراً مما أنا فيه. فلما وصل كتابه صنعت طعاماً عظيماً وجمعت الناس وقالت: لا يأكل هذا من أصيب بمصيبة. فلم يتقدم أحد من هذا الطعام، فعلمت مراد ابنها فقالت: بني، من مبلغك عني أنك وعظتني فاتعظت وعزيتني فتعزيت فعليك السلام حياً وميتاً.

        أخرج الإمام أحمد، والطبراني، وصححه الألباني في صحيح الجامع عن شرحبيل بن شفعة، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أنهم سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إنه يقال للولدان يوم القيامة: ادخلوا الجنة. فيقولون: يا رب حتى يدخل آباؤنا وأمهاتنا، قال: فيأتون، فيقول الله عز وجل: ما لي أراهم محبنطئين؟ -احبنطأ أي: انتفخ جوفه وامتلأ غيظاً- ادخلوا الجنة. قال: فيقولون: يا رب آباؤنا، فيقول عز وجل: ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم.

        وعن ثابتٍ قال: لما مات عبد الله بن مُطرَّف خرج أبوه (مُطرَّف) على قومه في ثيابٍ حسنة وقد ادّهن، فغضبوا وقالوا له: يموتُ ولدك عبد الله ثم تخرجُ في ثيابٍ مثل هذه مدهناً . فقال لهم: أفأستكينُ لها؟ - يعني مصيبة موت ابنه - لقد وعدني ربي تبارك وتعالى ثلاث خصال كُلُّ واحدةٍ منهن خيرٌ وأحبُ إليَّ من الدنيا وما فيها، قال الله تعالى: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)، (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ) هذه الأولى، (وَرَحْمَةٌ) هذه الثانية، (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) هذه الثالثة.

        ورُوي عن ابن عباس أنه أُخبِرَ بوفاة ابنٍ له وهو في سفر، فاسترجع وقال: عورة سترها الله، ومؤنه كفاها الله، وأجرٌ ساقه الله تعالى، ثم نزل فصلى ركعتين ثم قال: قد صنعنا ما أمرنا الله تعالى به. قال تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاة).

        وروى الحافظ أبو نعيم: لما توفي ذر بن عمر الهمداني، جاءه أبوه أو جاء أبوه، فوجده قد مات، فوجد أهل بيته يبكون، فقال: ما بكم؟ قالوا: مات ذر، فقال: الحمد لله. والله ما ظلمنا ولا قهرنا ولا ذهب لنا بحق، وما أريد غيرنا بما حصل لذر، ومالنا على الله من مأثم، ثم غسَّله وكفَّنه، وذهب ليصلي مع المصلين، ثم ذهب به إلى المقبرة، ولما وضعه في القبر قال: رحمك الله يا بني. قد كنت بي بارًا، وكنت لك راحمًا، ومالي إليك من وحشة ولا إلى أحد بعد الله فاقة. والله يا ذر ما ذهبت لنا بعز، وما أبقيت علينا من ذل، ولقد شغلني والله الحزن لك عن الحزن عليك. يا ذر، والله لولا هول يوم المحشر لتمنيت أني صِرْت إلى ما إليه صرت. يا ليت شعري ماذا قيل لك وبماذا أجبت؟ ثم يرفع يديه باكيًا، اللهم إنك قد وعدتني الثواب إن صبرت، اللهم ما وهبته لي من أجر فاجعله لذر صلة مني، وتجاوز عنه، فأنت أرحم به مني، اللهم إني قد وهبت لذر إساءته فهب له إساءته فأنت أجود مني وأكرم، ثم قام ودموعه تقطر على لحيته، وانصرف وهو يقول: يا ذر قد انصرفنا وتركناك، ولو أقمنا ما نفعناك، وربنا قد استودعناك، والله يرحمنا وإياك.

        وذكر ابن الجوزي في كتاب صفة الصفوة، أنه كان لإبراهيم الحربي ابن، وكان له إحدى عشرة سنة، قد حفظ القرآن، ولقّنه من الفقه شيئاً كثيراً فمات، فقال: كنت أشتهي موت ابني هذا، فقال له رجل: يا أبا إسحاق، أنت عالم الدنيا، تقول مثل هذا في صبي قد أنجب وحفظ القرآن ولقّنته الحديث والفقه؟ قال: نعم. رأيت في النوم كأنَّ القيامة قد قامت، وكأنَّ صبياناً بأيديهم قلال ماء، يستقبلون الناس يسقونهم، وكان اليوم يوماً حاراً شديداً حرّه. قال: فقلت لأحدهم: اسقني من هذا الماء، قال: فنظر إليّ، وقال لي: ليس أنت أبي؟ فقلت: فأي شيء أنتم؟ قالوا: نحن الصبيان الذين متنا في دار الدنيا، وخلفنا آباءنا، نستقبلهم فنسقيهم الماء، قال: فلهذا تمنيت موته.

        وذكر المقدسي في اللبابُ في تَسْلِيةِ المُصَاب: بلغ الشافعيَّ، رضي الله عنه أنَّ عبد الرحمن بن مهدي مات ابنٌ له، فجزعَ عليه عبدُ الرحمن جزعًا شديدًا فبعث إليه الشّافعيّ رضي الله عنه: يا أخي، عزِّ نفسكَ بما تُعزِّي به غيرَك، واستقبح من فعلك ما تستقبحهُ من فعل غيرك، واعلم أنَّ أمضّ المصائبِ فقدُ سرورٍ وحرمان أجرٍ، فكيفَ إذا اجتمعا مع اكتساب وزر؟ فتناول حظك يا أخي إذا قربَ منكَ قبلَ أنْ تطلبه وقد نأى عنكَ، ألهمكَ الله عند المصائبِ صبرًا، وأحرزَ لنا ولكَ بالصبر أجرًا.

        وذكر ابن كثير في البداية والنهاية أن (صلة) كان في غزاة ومعه ابنه فقال له: أي بني تقدم فقاتل حتى أحتسبك، فحمل فقاتل حتى قتل، ثم تقدم صلة فقاتل حتى قتل، فاجتمع النساء عند امرأته معاذة العدوية فقالت: إن كنتن جئتن لتهنينني فمرحبا بكن، وإن كنتن جئتن لتعزينني فارجعن.

        وذكر ابن رجب في تسْلِيَةُ نُفُوْسِ النِّسَاءِ والرِّجَالِ عِنْدَ فَقْدِ الأطْفَالِ أنه مات ابن لداوود عليه السلام فحزن عليه حزناً شديداً. فأوحى الله إليه: ماذا كنت مفتديه؟ قال: بطلاع الأرض ذهباً. قال: فأوحى الله إليه: إن لك عندي من الأجر بحساب ذلك. وفي رواية قال: يا داوود ما كان يعدل هذا الولد عندك؟ قال: كان يعدل عندي ملء الأرض ذهباً. قال: فلك يوم القيامة عندي ملء الأرض ثواباً.

        وجاء في مختصر تاريخ دمشق أن عروة بن الزبير خرج إلى الوليـد بن يزيد فوطأ عظمـاً فأصابه، فما بلغ دمشق جمع له الوليد الأطباء، فأجمع رأيهم على قطع رجله، وقالـوا له: اشرب مرقـداً فقال: ما أحب أن أغفل عن ذكر الله تعالى. فأحمي له المنشار وقطعت رجله ولم يتوجع، فقال: ضعوها بين يدي، ثم قال: لئن كنت ابتليت في عضو فقـد عوفيت في أعضاء، فبينمـا هو كذلك، إذ أتاه خبر ولده أنه طلع من سطح على دواب الوليد، فسقط فمات، فقال: الحمـد للـه على كل حال لئن أخذت واحـداً لقـد أبقيت جماعـة.

        وذكر المقدسي في اللبابُ في تَسْلِيةِ المُصَاب، أن أبي قدامة الشَّامي قال: كنت آمرًا على الجيش في بعض الغزوات، فدخلتُ بعضَ البلدان، فدعوتُ الناس إلى الغزاة، ورغبتهم في الجهاد، وذكرتُ فضلَ الشهادة وما لأهلها، ثم تفرَّق الناسُ، وركبتُ فرسي، وسرتُ إلى منزلي، فإذا بامرأةٍ من أحسن الناس تُنادي: يا أبا قدامة، فقلتُ: هذه مكيدةٌ من الشيطان، فمضيتُ ولم أجبْ، فقالتْ: ما هكذا كان الصَّالحون، فوقفتُ فجاءتْ، ودفعتْ إليَّ رقعةً وخرقةً مشدودةً، وانصرفت باكية، فنظرتُ في الرقعةِ، فإذا فيها مكتوبٌ: أنتَ دعوتنا إلى الجهادِ، ورغبتنا في الثواب، ولا قدرةَ لي على ذلك، فقطعتُ أحسنَ ما فيَّ، وهما ضفيرتاي، وأنفذتهما إليك، لتجعلهما قيدَ فرسكَ، لعلَّ الله يرى شعري قيدَ فرسِك في سبيله، فيغفر لي.

فلما كان صبيحة القتالِ، أخرجتُ الضفيرتين فقيَّدتُ بهما فرسي، وباكرنا القتالَ، فإذا بغلام بين يدي الصّفوف يقاتلُ حاسرًا، فتقدَّمتُ إليه، فقلت: يا فتى، أنت غلامٌ غرٌّ راجلٌ، ولا آمنُ أن تجول الخيل، فتطأك بأرجلها، فارجعْ عن موضعكَ هذا. قال: أتأمرُني بالرجوع، وقد قالَ الله عزَّ وجلَّ: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ{ سورة الأنفال، الآية (16).

فحملته على هجين كان معي، فقال: يا أبا قدامة، أقرضني ثلاثة أسهُم، فقلتُ: هذا وقتُ قرضٍ؟. فما زالَ يلحُّ عليَّ حتى قلتُ: بشرطٍ، إنْ مَنَّ الله عليك بالشَّهادة، أكونُ في شفاعتك. قالَ: نعمْ. فأعطيتُه ثلاثة أسهم، فوضع سهمًا في قوسهِ، وقال: السَّلام عليكَ، ورمى به فقتل رُوميًا، ثم رمى الآخر وقال: السلامُ عليكَ، فقتل روميًّا، ثم رمى الثالث وقال: السَّلامُ عليك سلام مودِّع، فجاءه سهمٌ، فوقع بين عينيه، فوقع رأسُه على قربوسِ سرجه، فتقدَّمتُ إليه، وقلت: لا تَنسها، فقال: نعم، ولكنْ لي إليك حاجةٌ، إذا دخلت المدينة، فائت والدتي، وسلم خرجي إليها وأخبرْها، فهي التي أعطتك شَعرَها لتقَيِّد به فرسَك، وسلم عليها فهي في العام الأول أصيبتْ بوالدي، وفي هذا العام بي، ثم مات، فحفرتُ له ودفنته، فلما هممتُ بالانصراف عن قبره، قذفته الأرض، فألقتْه على ظهرها، فقال أصحابه: إنه غلامٌ غرّ، ولعله خرجَ بغير إذنِ أمِّه، فقلت: إنَّ الأرض لتقبلُ من هو شرٌّ من هذا، فقمتُ فصليت ركعتين، ودعوتُ الله عزَّ وجلَّ، فسمعت صوتًا يقول: يا أبا قدامة، اترك وليَّ الله، فما رُحتُ حتى نزلتْ عليه طيورٌ فأكلتْهُ.

يقول أبو قدامة: فلما أتيتُ المدينة ذهبتُ إلى دار والدته، وقرعتُ الباب، فخرجتْ أختُه إليَّ، فلما رأتني عادتْ وقالتْ: يا أمّاهُ، هذا أبو قدامة، وليس معه أخي، وقد أصبنا العام الأول بأبي، وفي هذا العام بأخي. فخرجتْ أمُّه فقالت: أمعزّيًا أم مهنِّئًا؟ فقلتُ: ما معنى هذا؟ فقالت: إن كانَ قد مات فعزِّني، وإن كان استُشهد فهنِّئني. فقلتُ: لا، بل ماتَ شهيدًا، فقالت: له علامةٌ، فهل رأيتها؟ قلتْ: نعمْ، لم تقبلُه الأرضُ، ونزلت الطيور فأكلت لحمه، وتركتْ عظامَه، فدفنتُها، فقالتْ: الحمد لله، فسلمتُ إليها الخرجَ ففتحتهُ، فأخرجتْ منه مسحًا وغلاً من حديد، وقالت: إنه كانَ إذا جنَّ الليل، لبسَ هذا المسحَ، وغلَّ نفسَه بهذا الغلّ، وناجى مولاهُ، وقالَ في مناجاته: (إلهي، احشُرني في حواصل الطير)، فاستجاب الله سبحانه دعاءَه. رحمنا الله وإياه.

        وضرب الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- نموذجاً من النماذج التي يحتذى بها في الصبر، وقوة التحمل، وعدم الجزع. فقد روى سفيان الثوري قال: قال عمر بن عبد العزيز لابنه عبد الملك وهو مريض: كيف تجدك؟ قال في الموت، قال له: لأن تكون في ميزاني أحب إليَّ من أن أكون في ميزانك، فقال له: يا أبتِ لأن يكون ما تحبّ أحب إليَّ من أن يكون ما أحبّ، فلما مات ابنه عبد الملك، قال عمر: يا بنيّ لقد كنت في الدنيا كما قال الله جل ثناؤه: }الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا{، ولقد كنتَ أفضل زينتها. وإني لأرجو أن تكون اليوم من الباقيات الصالحات التي هي خير من الدنيا، وخير ثواباً، وخير أملاً. والله ما سرني أني دعوتك من جانب فأجبتني، ولما دفنه قام على قبره، فقال: ما زلت مسروراً مُذ بشّرت بك، وما كنت قطّ أسرّ إليَّ منك اليوم، ثم قال: اللهم اغفر لعبد الملك بن عمر، ولمن استغفر له.

اللهم أنزل السكينة في قلوب من ابتلوا بفقد أبنائهم، وأنزل برد رضاك وعفوك وغفرانك على قلوبهم، وصبّرهم، وثبتهم، وتجاوز عنهم بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

 

كتبه / هاني نبيل عبد الحميد

يوم الأربعاء الموافق: 27-7-2022 م

Comments

You must be logged in to post a comment.

About Author

مؤلف وشاعر وكاتب محتوى هادف ومبرمج ومصمم مواقع إلكترونية

Recent Articles
Sep 28, 2022, 4:52 PM - Recette IKRAM OM
Sep 28, 2022, 3:15 AM - Hesham aboelmakarm
Sep 26, 2022, 1:09 PM - Belhoucine Hamid